الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
379
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عبادة الأصنام لينالوا قيادتهم . [ 6 ] [ سورة التين ( 95 ) : آية 6 ] إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 6 ) استثناء متصل من عموم الإنسان فلما أخبر عن الإنسان بأنه ردّ أسفل سافلين ثم استثني من عمومه الذين آمنوا بقي غير المؤمنين في أسفل سافلين . والمعنى : أن الذين آمنوا بعد أن ردوا أسفل سافلين أيام الإشراك صاروا بالإيمان إلى الفطرة التي فطر اللّه الإنسان عليها فراجعوا أصلهم إلى أحسن تقويم . وعطف وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لأن عمل الصالحات من أحسن التقويم بعد مجيء الشريعة لأنها تزيد الفطرة رسوخا وينسحب الإيمان على الأخلاق فيردها إلى فضلها ثم يهديها إلى زيادة الفضائل من أحاسنها ، وفي الحديث : « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » . فكان عطف وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ للثناء على المؤمنين بأن إيمانهم باعث لهم على العمل الصالح وذلك حال المؤمنين حين نزول السورة فهذا العطف عطف صفة كاشفة . وليس لانقطاع الاستثناء هنا احتمال لأن وجود الفاء في قوله : فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ يأباه كل الإباية . وفرع على معنى الاستثناء وهو أنهم ليسوا ممن يرد أسفل سافلين الإخبار بأن لهم أجرا عظيما لأن الاستثناء أفاد أنهم ليسوا بأسفل سافلين فأريد زيادة البيان لفضلهم وما أعدلهم . وتنوين أَجْرٌ للتعظيم . والممنون : الذي يمنّ على المأجور به ، أي لهم أجر لا يشوبه كدر ، ولا كدر أن يمنّ على الذي يعطاه بقول : هذا أجرك ، أو هذا عطاؤك ، فالممنون مفعول منّ عليه ، ويجوز أن يكون مفعولا من منّ الحبل ، إذا قطعه فهو منين ، أي مقطوع أو موشك على التقطع . [ 7 ، 8 ] [ سورة التين ( 95 ) : الآيات 7 إلى 8 ] فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ( 7 ) أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ ( 8 ) تفريع على جميع ما ذكر من تقويم خلق الإنسان ثم رده أسفل سافلين ، لأن ما بعد